ابن حزم

396

رسائل ابن حزم الأندلسي

المعجب ، وهذا من عجيب ما يقع في هذا الباب ، وهو شيء يسميه عامتنا " التمييز المتمندل " ( 1 ) وكثيراً ما نراه في النساء وفيمن عقله قريب من عقولهن من الرجال ، وهو عجب من ليس فيه خصلة أصلاً ، لا علم ولا شجاعة ولا علو حال ولا نسب رفيع ولا مال يطغيه وهو يعلم مع ذلك أنه صفر من ذلك كله ، لأن هذه الأمور لا يغلط فيها من يقذف بالحجارة ( 2 ) ، وإنما يغلط فيها من له أدنى حظ منها ، فربما يتوهم إن كان ضعيف العقل انه قد بلغ الغاية القصوى منها ، كمن له حظ من علم ، فهو يظن أنه عالم كامل ، أو كمن له نسب معرق في ظلمة ، وتجدهم لم يكونوا أيضاً رفعاء في ظلمهم ، فتجده لو كان ابن فرعون ذي الأوتاد ما زاد على إعجابه الذي فيه ، أو له شيء من فروسية فهو يقدر انه يهزم علياً ويأسر الزبير ويقتل خالداً ، أو له شيء من جاه رذل لا يرى الإسكندر على حال ، أو يكون قوياً على أن يكسب ، ما يتوفر بيده مويل يفضل عن قوته ، فلو أخذ بقرني الشمس لم يزد على ما هو فيه . وليس يكثر العجب من هؤلاء وإن كانوا عجباً ، لكن ممن لاحظ له من علم أصلاً ، ولا نسب البتة ، ولا مال ولا جاه ولا نجدة ، بل نراه في كفالة غيره مهتضماً لكل من له أدنى طاقة ، وهو يعلم أنه خال من كل ذلك ، وأنه لاحظ له في شيء منه ، ثم هو مع ذلك في حالة المزهو التياه . ولقد تسببت إلى سؤال بعضهم في رفق ولين عن سبب علو

--> ( 1 ) م : التمترك ؛ ولم أوفق إلى توجيه لفظة " التمندل " حتى رأيت الدكتور عبد العزيز الأهواني رحمه الله قد أشار إلى الزجل ( رقم : 125 ) لابن قزمان ، وقد جاء في المقطوعة الثالثة منه ( انظر مجلة المعهد المصري ، المجلد : 19 ( 1976 - 1978 ) ص : 60 . حبيب يتمنزل لما أنا عبد . . . وفسر " يتمنزل " بمعنى يدل بمنزلته ويتكبر ؛ وهذا توضيح جيد ولكنه يلقي شكاً على لفظة " التمييز " وأنا أعتقد أن اللفظتين لفظة واحدة ، واضطرب فيهما الناسخ أو أن الأصل الصحيح هو : " وهو شيء يسميه عامتنا التمنزل والتمندل " والتمندل تعني أيضاً اصطناع الدل . ( 2 ) من يقذف بالحجارة : كناية عن المجنون ؛ وفي ص : يغلط فيها من لا يقذف .